28
يناير
10

الأخبار : نص الكلمة المترجمة عن اللغة الهولندية و التي القيت امام المحكمة التي تنظر في قضية اقتحام السفارة السورية في بلجيكا احتجاجا على اغتيال الشيخ معشوق الخزنوي

السيدة رئيسة المحكمة الموقرة

السادة القضاء و المحامون المحترمون

ايها الحضور الكريم

انه لمن دواعي سخرية القدر وجودنا هنا اليوم و قد تتسائلون عن السبب. اسمحوا لنا من فضلكم لكي نوضح لكم ذلك باختصار.

تسلم الحزب البعث القومي العربي المتطرف سدة الحكم في سوريا في عام 1963 عن طريق انقلاب عسكري عنيف. و مكنت قوانين الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ ذلك الوقت حزب البعث من انشاء احد ابغض الانظمة الدكتاتورية في العالم. دكتاتورية يملك الحزب البعث في ظلها السلطة المطلقة و لاجهزته الامنية الحرية التامة في التحكم بالبلاد كيفما تشاء.

و تمر سوريا منذ ذلك الوقت و حتى يومنا هذه بمرحلة غامضة و بائسة. و اليوم و بعد مرور حوالي نصف قرن نرى كيف ان نظام البعث قد نجح و بشكل مذهل في تقزيم سوريا , البلد الذي يكاد يفيض بثرواته التاريخية و الطبيعية , و تحويله الى مجرد خراب , الى بلد ليس باستطاعته لا التعايش مع نفسه و لا مع محيطه.

 

بات الفساد و المحسوبية و السرقة في سوريا عام 2010 من الممارسات المتجذرة و واسعة الانتشار ضمن الدوائر و المؤسسات المختلفة ابتداءا من الطبقة العامة و انتهاءا برئيس الدولة و حاشيته. و لهذا السبب لا يستدعي الاستغراب حقيقة ان اغلبية المواطنيين السوريين يعيشون تحت خط الفقر. و تحكم البلاد ثقافة الخوف و الرعب: فاية اشارة تنم عن عدم رضى من حكم البعث او اي شكل من اشكال انتقاد النظام يكفي لتعريض صاحبه للاعتقال و التعذيب. و من لم يُقتل او يُعتقل لاذ بالفرار.

 

يشكل 3 ملايين من الكورد في سوريا حوالي %12 من مجموع السكان. و يتعرض الكورد لمزيد من الغبن من قبل حكم البعث نتيجة التمييز و الاضطهاد القومي و الثقافي. فلا يزال انكار وجود الكورد في البلاد مستمرا. و بموجب الدستور الذي صاغه نظام البعث فان جميع مواطني سوريا من العرب و قد تم ترجمة هذا الشئ في الاسم الرسمي للبلاد.

 

يمنع القانون على نحو صارم اي شكل من اشكال التعبير عن الهوية الكوردية. فليس بالامكان تسجيل المواليد الكورد باسماء كوردية , يتم تغيير اسماء الاماكن و القرى و المدن الكوردية و تبديلها باخرى عربية , لا يُسمح بفتح شركات ذات اسم كوردي , من الممنوع فتح المدارس الخاصة باللغة الكوردية , تعتبر حيازة الكتب و المطبوعات الكوردية مخالفة للقانون و تستوجب المعاقبة.

 

لم يدخر البعث اي جهد او تدبير ضد الشعب الكوردي في سوريا و لم يعد هناك شئ فيه من المبالغة في نظر النظام. حرمت الحكومة السورية في عام 1962 عشرات الاف الكورد فجأة من هويتهم السورية. و مع مجئ حزب البعث تم كذلك تجريد النشطاء الكورد من جنسيتهم السورية. و تقدر الاحصائيات حاليا عدد الكورد المجردون من اوراقهم الرسمية , و الذين يسمون في وطنهم الاصلي بالاجانب , بحوالي 300000 انسان , محرومون من جميع حقوق المواطنة السورية في انتهاك صارخ للقانون الدولي. و يُعتبر هؤلاء الكورد الذين لا يملكون اي اوراق رسمية اخرى عمليا بمثابة سجناء في سوريا: فهم لا يتعرضون فقط للتمييز في بلدهم الاصلي , بل لا يملكون كذلك خيار الهجرة لانه ليس بحوزتهم جوازات سفر او اي وثائق سفر اخرى. و هم محرومون من حق تملك الاراضي و العقارات و الشركات. و لا يُسمح لهم بالعمل في المؤسسات الرسمية و الشركات التابعة للدولة , فضلا عن حرمانهم من حق التعلم في الجامعات او التزوج مع المواطنيين السوريين. و رغم الوعود المختلفة من قبل الحكومة السورية لحل هذه المشكلة الا ان مأساة الكورد المجردون من الجنسية لا تزال مستمرة.

 

كذلك عمل نظام البعث على تغيير التركيبة السكانية في المناطق الكوردية , حيث سعى من خلال تطبيق حملة تعريب شرسة الى اجبار الكورد على الهجرة و الابتعاد عن مناطق سكنهم الاصلية. و بلغت مخططات البعث ذروتها مع تطبيق مشروع الحزام العربي السئ الصيت على مساحة بعرض 15 كم و بطول 375 كم على طول الحدود مع تركيا و العراق. حيث تم حرمان الفلاحين الكورد من اراضيهم بعد ان تم مصادرتها و اهدائها الى عرب تم جلبهم من مناطق الصحراء السورية.

سيدتي القاضية

يبدي الكورد في سوريا منذ اكثر من نصف قرن مقاومة مستميتة للبقاء على قيد الحياة في وجه التمييز و الاضطهاد البغيضين الذي يتعرضون لهما في بلادهم. و لم تتبنى الحركة السياسية و الثقافية الكوردية على مر تاريخها غير الوسائل السلمية خلال نضالها من اجل مزيد من الحقوق للاقلية الكوردية في البلاد. و لكن في مقابل ذلك اصبح الاف النشطاء الكورد ضحية الاجهزة الامنية السورية.

تولدت في 12 اذار 2004 انتفاضة شعبية عفوية كوردية احتجاجا على الواقع المزري للكورد السوريين. تصد الجيش السوري بالاسلحة الثقيلة للمتظاهرين العزل حيث قتل منهم اكثر من 40 انسانا من بينهم عدة اطفال و نساء و اعتقل الاف المواطنيين الابرياء و عرضهم لابشع صنوف التعذيب الوحشي و كان من بين هؤلاء كذلك عشرات النساء و القصر.

كان لانتفاضة 12 اذار 2004 الشعبية اصدائها عند مجموع الشعب السوري. فللمرة الاولى سمع ملايين السوريين فجأة بوجود مواطنين كورد في بلدهم. و ولدت الاحداث المؤلمة و المشاهد الفظيعة التي انتشرت في العالم الكثير من التعاطف مع القضية الكوردية بين الشعب السوري. حيث دعى العديد من الشخصيات و المشاهير في البلد , و الذين كانوا يتحاشون السياسة في السابق , علنيا الى حل المشكلة الكوردية في سوريا. و كان يدوي من بين هذه الاصوات صوت الشيخ معشوق الخزنوي بقوة و ارتفاع استثنائي , و كان لذلك اسبابه الوجيهة.

كان الشيخ معشوق الخزنوي ذو ال48 ربيعا علامة دينية كوردية بارزة و كان يُعرف بآرائه اللافتة للنظر. لم يكن الشيخ الكاريزماتي و الشعبي جدا مجرد رجل دين ينادي بالكره و يدعو الى العنف. بل على العكس فقد كان حاملا لرسائل التسامح و التعايش الديني و كان يبشر بان الاسلام و الديمقراطية ليسا باعداء بل باستطاعتهما السير معا. و كان من المدافعين بقوة عن حقوق المرأة الى درجة انه كان يدعو الى السماح للمرأة بان تصبح امام جامع , و بالمناسبة قد يعرض هذا رأي معظم رجال الدين للصدمة عند سماعه. لقد اُتيحت لنا الفرصة عدة مرات للالتقاء بالشيخ اثناء زياراته و جولاته في القارة الاوروبية. و لم يكن من العناء في شئ عنده ان يكسب قلوب و عقول الكثيرين منا إلا ان نظام البعث استكثر علينا حتى رؤيتنا لشيخنا المحبوب.

كانت كاريزما و شعبية الشيخ قد اضحتا مصدر انزعاج هائل للسلطات السورية , خاصة و ان الشيخ لم يكن يتجنت النقاشات السياسية اكثر بل كان يدعو بصراحة الى مزيد من الحقوق للاقلية الكوردية و مزيد من الحرية و الديمقراطية للبلاد. و رأت ايديولوجية البعث المتأثرة بالفكر النازي مباشرة الخطر الذي قد يشكله شخص في منزلة الشيخ الخزنوي و لم يتردد النظام في التوجه نحو وضح حد للشيخ. و على اثره تم اختطاف الشيخ معشوق الخزنوي بطريقة غامضة في 10 ايار 2005 في العاصمة دمشق. و كان من الواضح فورا رغم النفي و الانكار بان الاجهزة الامنية السورية هي التي وراء عملية اختطاف الشيخ. و عمت موجة قلق شديدة بين الشعب الكوردي حول مصير الشيخ المختطف و جرت عدة نشاطات احتجاجية للمطالبة باخلاء سبيله. و وسقط من جديد عشرات المواطنين الكورد العزل ما بين قتيل و جريح جراء استخدام العنف من قبل اجهزة الامن السورية.

في يوم 31 مايو 2005 اعلن التلفزيون الرسمي السوري عن مقتل الشيخ معشوق الخزنوي نتيجة جروحه. و افادت الحكومة السورية بان الشيخ قُتل على يد عصابة اجرامية نقلت جثته الى اعماق الصحراء السورية. و افاد تصريح حكومي فيما بعد بان الشيخ قد تم خطفه و من ثم قتله على يد متطرفين اسلاميين معارضين لآراءه الاصلاحية. الا ان جميع المعطيات و الحقائق تشير بلا ادنى شك الى ان نظام البعث نفذ بنفسه عملية خطف و تعذيب و قتل الشيخ. و انطلاقا من هذا الفهم و القناعة انفجرت موجة عارمة من الغضب و عدم الرضى بين الكورد في جميع اجزاء كوردستان و كذلك بين كورد الشتات.

و كان الرأي السائد بانه لا ينبغي ان تمر هذه الجريمة بدون عواقب و يجب ان تتعرض للاستنكار بشتى الطرق السلمية و الديمقراطية. و بهذا القصد و النية جاء الاقتحام العفوي للسفارة السورية في بروكسل حيث كان الهدف منه لفت انظار المجتمع الدولي و شد انتباه الاعلام العالمي الى عملية القتل الجبانة بحق الشيخ الخزنوي على نحو خاص و الى القضية الكوردية في سوريا بشكل عام.

لذلك نعرب لكم عن استغرابنا الشديد من ان تتم محاكمتنا اليوم كجناة يتطلب منهم الدفاع عن جرمهم و تحمل عواقبه. و اسمحوا لنا هنا ان نرجع بكم الى بداية مرافعتنا هذه , الى دواعي سخرية القدر التي نتلمسها في هذه القضية. لقد اجُبرنا على الفرار و الهجرة من اوطاننا نتيجة الظلم و الغبن الذي لُحق بنا و وجدنا لأنفسنا ملجأ آمنا هنا في اوروبا. و تقديرا للحفاوة التي اسُتقبلنا بها و ادراكا للفرص التي اتُيحت لنا هنا لبدء حياة جديدة , فقد تعلمنا اللغة بشغف و خضنا غمار عملية الاندماج و الانسجام مع المجتمع. و مع مرور الوقت اصبح الكثير منا مواطنين في هذه الدول.

إلا انه في الجانب الاخر لا يزال اهالينا و اصدقائنا في كوردستان يعانون الامرين تحت نير حكم البعث. في وقت اتخذ الاضطهاد و التمييز الوحشي فيه طابعا خطيرا في السنوات الاخيرة , نرى بان نظام البعث لا يزال يتمتع بالحصانة. فبدلا من استنكار نظام البعث على جرائمه المستمرة و التي لا تحصى بحق الشعب السوري , نرى هنا و لسخرية القدر مجموعة من الضحايا يصبحون ضحايا من جديد. لا ينبغي لهذا الشئ ان يحصل و لا يليق هذا بقناعتنا بالنظام البلجيكي القائم على العدالة.

سيدتي القاضية

لم يكن وراء عملنا سوى غايات سياسية و لم يكن هدفنا التوجه نحو السفارة ليلا بغرض الاعتداء عليها و تحطيمها سهوا. لأي داع و بموجب اي منطق , نتسائل هنا , تبقى “عصابة من المجرمين” في مكانها و تنتظر بصبر مجئ الشرطة لالقاء القبض عليها و ايداعها السجن. لقد تصرفنا من منطلق انه يجب للظلم ان يتم استنكاره و ان على المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته تجاه الشعب السوري المضطهد. ان عملنا العفوي و الغير المخطط له مسبقا لم يكن اكثر من نداء استجداء الى العالم لمساعدتنا في محنتنا.

على اساس ما سبق نطلب منكم , يا سيدتي القاضية , تبرأتنا من التهم الموجهة لنا. وبذلك فقط يكون قد تم احقاق الحق.

تقبلوا منا فائق الشكر و التقدير.

هيم عمر , عن مجموعة الرفاق المحاكمين

بروكسل , 21 كانون الثاني 2010


0 Responses to “الأخبار : نص الكلمة المترجمة عن اللغة الهولندية و التي القيت امام المحكمة التي تنظر في قضية اقتحام السفارة السورية في بلجيكا احتجاجا على اغتيال الشيخ معشوق الخزنوي”



  1. اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


Blog Stats

  • 13,476 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.

انضم 3 متابعون آخرين

الأعلى تقييماً


%d مدونون معجبون بهذه: