28
يناير
10

هل يخرج البعث من النفق؟

جان كورد، ‏الأربعاء‏، 27‏ كانون الثاني‏، 2010 

بداية يجب القول بأنّ هناك رجالاً ونساءً أشداء في حزب البعث (العراقي والسوري معاً) مؤمنون بمبادىء حزبهم ويسعون للوصول إلى أهدافه، وهم مستعدون للتضحية في سبيل تلك الأهداف التي يعتبرونها درباً لا مناص منه للوصول به إلى وحدة الأمة العربية وتحررها وخلاصها من الجور والجهل والتخلّف والتمزّق، وهذا أمر مشروع لانستطيع الاعتراض إليه، إلاّ أنّ هؤلاء الرجال كما يبدو قلّة مع الأسف…                  

ويجدر القول هنا أيضاً بأن تاريخ أمجاد حزب البعث ومغامراته الداخلية والخارجية انتهى عملياً باخراج زعيمه الأوحد، صدام حسين، في 13 كانون الأول (ديسمير) 2003 من جحر ضب بالقرب من موطنه الأصلي، وهو في حالة يرثى لها، دون أن يستخدم حتى سلاحه الفردي للدفاع عن أنفسه وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة العراقية في زمن الحرب، وكان يعاقب أثناء حكمه الهاربين من القتال بالاعدام رمياً بالرصاص…ولقد أعقبت ذلك سلسلة محاكمات شهيرة أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا، ليواجه هو وأتباعه القابعون خلف القضبان في أزياء مدنية قشيبة، ومنهم وزير دفاعه الشهير، تهماً بالجرائم ضد الإنسانية، ارتكبوها أو أمروا قطعاتهم العسكرية وأجهزتهم القمعية المختلفة بارتكابها طوال سنين، حتى بلغ عدد ضحاياهم مئات الألوف، وبخاصة في حرب “الأنفال” التي خاضوها ضد الشعب الكردي، واستخدموا فيها الأسلحة المحظورة دولياً، كما في مدينة حلبجة وباليسان وغيرهما، وأثناء قمع انتفاضة الشعب العراقي في سائر محافظات وأرجاء البلاد…                                        

ومن ذلك الحين سقطت أسطورة البعث الذي لايقهر، وانتقل زعماؤه الذين أرعبوا العراق من قبل، الذين لم يطلقوا طلقة واحدة ضد قوات التحالف الدولي في الحرب إلى التشكي من سوء أحوالهم الصحية في المعتقلات بعد أن كانوا يذيقون العراقيين ويلات لاتوصف…                                                                                                                                  

واليوم بالذات، بعد أن تم تنفيذ حكم الاعدام بالمجرم الكبير”علي الكيمياوي” بيومين أو ثلاثة فقط، تتبعت بقلب مشحون بالأسى العميق أقوال امرأة بغدادية أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا، التي لاتزال تنظر في دعاوى وشكاوى المواطنين من ذوي ضحايا العهد السابق، وهي تسرد كيف أخذ رجال النظام البعثي البائد اخوتها الأربعة، واحداً تلو الآخر، ومن ثم شقيقتها أيضاً، وتسلّمت فيما بعد الوثائق التي تثبت اعدام ثلاثة من الأشقاء والحكم على الأخير بالسجن المؤبد، بتهم الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامي، ثم أجابت عن سؤال وجهه القاضي إليها حول شقيقتها بأن وضعها الصحي والنفسي منذ خروجها من المعتقل لايساعد على حضورها للادلاء بافادتها أمام المحكمة…                                                                                           

 

وباسدال الستار على أمجاد البعث الوهمية في العراق، فقد انتقل إلى موقع المعارضة، جنباً إلى جنب مع الحركات الإسلامية المتطرّفة، إلاّ أنّ الشعب العراقي في غالبيته العظمى لن يسمح لهكذا حزب من العودة إلى الحكم، مهما بلغت تضحيات المواطنين من جراء ولائم التفجيرات الارهابية الدموية، التي يذهب ضحيتها مواطنو العراق، رجالا ونساء وأطفالاً، فلا الشيعة الذين يشكّلون أغلبية سكانية عراقية، ولا الكرد سيعطون يوماً ما أصواتهم للبعث الذي كان سبب دمار وطنهم وتشريد شعبهم ونهب خيرات أرضهم وكل دموعهم ودمائهم المراقة طوال عقود من الزمن…وهذا يعني أن البعث قد يصل عن طريق استخدام القوة والارهاب إلى موقع السيطرة في المناطق السنيّة من العراق، ولكن بقدر ما تتعاظم قوته فيها، تزداد مخاطر تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، لأن الجنوب الشيعي والشمال الكردي لن يرضخا إلى ابتزاز البعث ومن على شاكلته بعد اليوم، حتى ولو أدّى ذلك إلى القضاء على العراق كدولة موحّدة…والبعثيون يدركون أنهم باصرارهم على انتزاع موقع قيادي لهم في العراق من جديد انما يدفعون بالبلاد إلى التفتيت والتقسيم، ولكن أنّى لهم أن يهتموا بمصير العراق وشعبه، فقد كان ولا يزال ديدنهم الحكم حتى على هضاب من جماجم المواطنين، كما كان عهدهم الذهبي الذي أضاعوه من أيديهم بسبب سياساتهم الطائشة والارهابية تلك…         امّا في سوريا الأسود والأشبال، فإن حزب البعث لا يزال في موقع الحكم، ولم يرمى به من قبل الشعب السوري كنظام فاسد ومستبد إلى الهاوية بعد، ولكن بعض رجاله المنفصلين عن الحكم أو الهاربين من وجه النظام ينكرون أن يكون للبعث أي شأن سياسي حقيقي في البلاد، والنظام يستغلّه ويحمل يافطته وشعاراته كما يستغّل الأحزاب الأخرى المنضمّة إلى ما يسمى زوراً وبهتاناً ب”الجبهة الوطنية التقدمية!”، ولاحول ولاقوّة لأي بعثي مهما كان عريقاً في الحزب والسياسة، أو في مقام عالٍ في الدولة، فإنه يحسد أصغر ضابط أو صف ضابط في أحد أجهزة الأمن “المخابرات” على صلاحياته وامكاناته… وحسب أقوال هؤلاء المنشقين أو المتابعين لمسيرتهم داخل تنظيمات البعث كرهاً أو طوعاً، ولايستطيعون القيام بأي تصرّف معاكس لسياسة النظام، فإن دور البعث السوري في قيادة البلاد منته أيضاً…                                                                            

ولكن مهما يكن، فإنّ البعث بشقيه العراقي والسوري واليمني واللبناني والعربي عامة، سواءً أكان في الحكم أو في المعارضة، فقد دخل نفقاً معتماً لا خروج له منه إلاّ باجراء تغيير جوهري في برنامجه السياسي وتفكيره العقيدي وأهدافه وممارساته وعلاقاته، وبخاصة في تعامله مع الشعب… والغريب أن أحزاباً أو منظمات سورية شيوعية وإسلامية كانت تعتبر “متطرّفة” تمكنت من احداث تغييرات هامة في سياساتها وممارساتها، وبخاصة بعد انهيار المعسكر الشيوعي، وظهور ما يسمى ب”النظام العالمي الجديد”، ومن ثم بعد 11/9 /2001، واحتلال العراق وأفغانستان وتنامي “الارهاب الديني!”، إلاّ أن البعث لم يتمكّن من احداث أي تغيير واضح وجريء لديه بالنسبة إلى الشيوعيين والإسلاميين السوريين…                                                         

لقد تأسس حزب البعث في أربعينات القرن الماضي متأثراً بأفكار النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، حيث كانت مرحلة الانتعاش بالنسبة للأفكار القومية، وظهر في سوريا وكأنه جاء للحيلولة دون سير البلاد صوب “الشيوعية” المتنامية النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية، أو عودةسوريا إلى حضن “الإسلام”، ولكن تكتيكاته مهندسيه السياسيين العريقين آنذاك لم يمنع الحزب الناشط آنذاك في الشارع السوري وفي البرلمان أيضاً من اقامة علاقات وقتية مع الشيوعيين والإسلاميين على حد سواء…ولكنه منذ اغتصابه السلطة بانقلاب “ثوري!” في 8 آذار 1963 قد تحوّل إلى “الحزب القائد” الذي لا يسمح بحكم فلسفته الاستفرادية الانقلابية لأي حليف أو منافس بازاحته عن المقام الأعلى في الدولة والحكم… ولانريد هنا اثارة العواطف الجياشة التي نأمل أن تكون خمدت، تلك التي أثارها النظام الحاكم بسياساته الدموية الجائرة باسم البعث وفي ظل شعاراته في البلاد السورية منذ ستينات القرن الماضي وإلى اليوم، وبخاصة في بداية ثمانينات القرن الماضي، ولكن لابد من القول بأنّ سياسة التفرّد تلك، والتي تُمارَس حتى اليوم, رغم الفشل الشامل على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والوطنية، هي السبب في مآسي البلاد وجفاف ازدهاره وتراجعه باستمرار نحو الخلف على سلّم التقدّم العام. وإن ابتسامات وضحكات الأسد الشاب لن تقدر على تمويه ذلك أبداً…      

 

نعم، هذا البعث الذي لجم التحوّل صوب الشيوعية حسب قناعة كثيرين من الشيوعيين، ومنع العودة إلى حضن “الإسلام” حسب رأي الإسلاميين، فيما مضى، قد وضع طاقاته، كرهاً أو طوعاً، تحت تصرّف نظام فاسد ومستبد، قاتل فصائل هامة من منظمة التحرير الفلسطينية، وحكم لبنان عملياً حكماً احتلالياً، ومنع أي شكل من أشكال اثارة اسرائيل عبر الجولان المحتل، وقمع الشعب السوري، ومارس سياسة تمييز عنصرية ضد ثاني أكبر مكوّن اثني في البلاد، ألا وهو الشعب الكردي، وارتكب المجازر “ذات الطابع الطائفي الصارخ” في البلاد ضد الأكثرية السكانية، وأجهض الاقتصاد الوطني، وأفرغ الجيش السوري من مضمونه كقوة دفاع أساسية عن الوطن، وكبت الحريات السياسية، وفرض حالة تقزيم لاتطاق على النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة، وزج بالأحرار من كل العقائد والمذاهب والطوائف والاتجاهات السياسية في السجون والمعتقلات الرهيبة، ومارس التعذيب فيها بشكل وحشي، حتى صارت سوريا مضرب الأمثال في المعاملة اللاإنسانية مع المعارضين من شتى الاتجاهات، وتحولّت سوريا الأسد إلى أقفاص لاتعد ولاتحصى، كما تحوّلت مع الأيام، ومنذ ما أطلق عليه جزافاً اسم “الحركة التصحيحية” التي قادها الجنرال حافظ الأسد ضد رفاقه البعثيين، إلى قمر صغير تابع للكوكب الايراني الطائفي… ورفض كل دعوات المجتمع المدني السوري وسائر القوى المحبّة للحرية والسلام، الداعية إلى انهاء هذه السياسات الطائشة والمضرّة بالبلاد والشعب وبالحاكمين أنفسهم أيضاً…                                                                                                                  

هذا السلوك اللاديموقراطي الأرعن الذي ينتهجه النظام قاد البلاد إلى مرحلة “الجمهورية الوراثية” باجراء تعديل دستوري تتناسب به شروط رئاسة الجمهورية مع وضع الوريث، مما جعل السوريين سخرية أمام العالم المتحضّر كله… وبالتأكيد كان بإمكان البعث تبرئة نفسه من هذه الأخطاء والجرائم والسياسات الفاسدة فيما لو أعلن عن تخليّه عن الذين يحكمون باسمه ويستظلون بشعاراته البراقة (الوحدة والحرية والاشتراكية) التي فشل هو ونظامه كلياً في تحقيق أي شيء منه، حتى أن البعث قد فشل في اقامة الوحدة بين بلدين جارين كان يحكمهما عقوداً من الزمن بالحديد والنار…                                              

بعض رؤوس الفكر البعثي يحاولون حالياً، بشتى الوسائل السياسية، تبرئة حزبهم مما حدث ويحدث حتى الآن في العراق وسوريا وسواهما، ولكن الوقائع والحقائق على الأرض تثبت بما لايدع الشك بأن شقي البعث في العراق وسوريا يتعاونان منذ سقوط نظام التكارتة في العراق بينهما بقوّة، بحيث يشك المرء بنواياهما الحقيقية، ولا يمكن الركون إلى هؤلاء أيضاً طالما لا يفصلون بين سياساتهم وسياسات النظامين الصدامي التكريتي البائد في العراق، والأسدي الحاكم حتى الآن في سوريا، فصلاً واضحاً وأكيداً نراه جلياً في التطبيق العملي اليومي….                                                                                                   

ولذا آمل من الحراك الكردي السوري أن لاينخدع بأي دعوة بعثية (عراقية أو سورية) معسولة للتعاون والتقارب، طالما لم يتغيّر شيء في موقف البعثيين “الديموقراطيين!” من النظام البعثي الصدامي المخلوع ومن نظام الأسد وأتباعه من البعثيين الذين لا ينفكون عن التصفيق، رغم كل فشله السياسي والاقتصادي وفساد ادراته ورداءة طاقمه الحاكم…


0 Responses to “هل يخرج البعث من النفق؟”



  1. اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


Blog Stats

  • 13,476 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.

انضم 3 متابعون آخرين

الأعلى تقييماً


%d مدونون معجبون بهذه: