06
فبراير
10

مقالات : البعثيون ولعبة توم وجيري

جان كورد، ‏الخميس‏، 04‏ شباط‏، 2010 

على أثر اندلاع الثورة الايرانية في أواخر سبعينات العام الماضي في ايران، وانزالقها إلى الفئة الطائفية الشيعية المتطرّفة بزعامة “روح الله” و”آية الله” الخميني، بدعم من الأوروبيين الذين لعبوا دوراً هاماً في كبح جماح الثورة التي كانت في طابعها الشامل وطنية ويسارية، وانتقال القرار السياسي من أيدي الذين ضحوّا في سبيل الثورة ومن الشارع الايراني إلى مركز الحوزة الدينية الأوّل في مدينة قم، انتاب البعثيين القلق والارتباك في العالم العربي كله، وشعور متناقض عميق تجاه هذه الثورة، فهم من ناحية “انقلابيون” ولكنهم ضد “الدين” كسلاح للثورة، وهم بالكلام والشعارات اشتراكيون، ولكنهم ضد تحوّل حاسم في ايران لصالح الثورة المعادية للغرب في العالم، فتصبح ايران المتاخمة للسوفييت أهمّ بكثير من بعض البلدان العربية بالنسبة للمنظومة الشيوعية، وكذلك هم مناصرون بالخطب الرنانة والحركات المسرحية الطنانة، وبعض أشكال الدعم المختلفة لقضية الشعب الفلسطيني وقياداته، إلاّ أنهم لايقبلون بأن يزاود عليهم الايرانيون “الفرس”، “المجوس” و”الشعوبيون”، فيغلقون السفارة الاسرائيلية في طهران ويحولونها إلى سفارة “فلسطين” ويستقبلوا الزعيم الفلسطيني الأكبر ياسر عرفات استقبال الأبطال، ويهاجمون سفارة الولايات المتحدة ويحتلونها ويهددون طاقمها بالتقتيل والتعذيب…                             

هذا من الناحية النفسية، ومن ناحية التفكير الميكيافيللي “النفعي”، رأى البعثيون الفرصة مؤاتية لهم لاظهار أنفسهم للعالم الغربي كقوة معادية لا يران المتمرّدة على “الشيطان الأكبر!”، وكقوة قومية عربية هائلة لبناء السدود أمام تدفق مياه الثورة الشيعية صوب الجنوب والغرب، تلك التي من أهدافها القضاء على المذهب السني، ليس في ايران فحسب، وانما في عالم الكواكب البعيدة أيضاً…

وتحقق للبعثيين ما تمنوه من عطف وتأييد ومودة، من جانب الغربيين وحلفائهم الاسرائيليين، ومن جانب العرب عموما، الذين أرعبهم التحوّل الكبير في ايران، وفزعوا على ما يملكون من ثروات وسلطان في أيديهم… ولكن مشكلة البعثيين الكبرى، كانت في العراق وسوريا اللتين كان البعث يحكم فيهما بقوة الحديد والنار منذ عقود طويلة من الزمن، حيث الصراع على قيادة العالم العربي (القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي) كان يأكل قلبي الرئيسين البعثيين حافظ الأسد (السوري) وصدام حسين (العراقي) الكارهين لبعضهما بعضاَ كما تأكل النار الهشيم… وهذه المشكلة بالذات هي التي أضرمت النار في الحطب الفلسطيني الذي كان كل نظام من هذين النظامين “الشقيقين والرفيقين!” يستخدمه في حقل الآخر، في لبنان واليمن  والأردن، بل وسائر العالم العربي…

وبسبب عدم التوافق بين نظامي البعث في البلدين الجارين، فإن النظام السوري الذي قام على أكتاف الطائفة العلوية وبعض الطوائف الأخرى من الأقليات التي لعبت دوراً مساعداً من خلال القوى اليسارية العربية والسورية، تحوّل إلى الخندق الايراني، مستفيداً من تقارب الفكر الشيعي للثورة الخمينية ومن رعب الطائفة العلوية الموروث من سيطرة الأكثرية السنية في سوريا، في حين أن النظام البعثي الآخر،الذي كان يعتمد أيضاً على دعم الطائفة السنية (الأقلية سكانياً) في مواجهة الأكثرية الشيعية في العراق، قد أعلن نفسه حامياً للبوابة الشرقية للعالم العربي، ومزّق اتفاقية الجزائر لعام 1975، الموقعة آنذاك بين الشاه الايراني المخلوع والرئيس العراقي صدام حسين، تلك التي تمخضت عن صلح واتفاق في مجال القضاء على الثورة الكردية بقيادة الزعيم الكردي الكبير مصطفى البارزاني، وعززت تعاون البلدين في محاربة المعارضة الداخلية لكل منهما، من الشيوعيين والاسلاميين والديموقراطيين،غير المنخرطين في خدمة النظامين الدكتاتوريين.

وطوال فترة الحرب بين العراق وايران لمدة تزيد عن ثماني سنوات، بعد قيام الثورة الخمينية التي لم تخف نواياها في تصدير مبادئها إلى العالم الإسلامي كله، وقف الأسد السوري (قائد جبهة الرفض على الحدود الاسرائلية!) ضد صدام حسين (حامي البوابة الشرقية)، وعمل الطرفان على حبك المؤامرات والتخطيط للانقلابات العسكرية وتمويلها وكسب معارضة الآخر، مما استفادت المعارضة الوطنية العراقية (اليساريون والديموقراطيون والكرد العراقيون) من دمشق، مثلما استفادت المعارضة العراقية الشيعية من طهران، وبالمقابل دعم النظام البعثي العراقي الفصائل الفلسطينية المعادية لحافظ الأسد، والفصائل الايرانية المعادية للخميني (من الكرد وحركة مجاهدي خلق ايران والأهوازيين وغيرهم)…وظلت الحال هكذا، حتى بعد توقف الحرب بين العراق وايران أيضاً…ثم غزا صدام حسين الكويت، وتحوّل الصراع المكشوف بين البعث السوري والعراقي، إلى مساندة سورية عسكرية بالدبابات لقوات التحالف الدولي بهدف طرد صدام حسين وجحافله العسكرية الغازية من الكويت…

 ومع الأيام تحوّل الصراع البعثي – البعثي إلى تحالف وتآخٍ ودعم متبادل، بعد سقوط نظام صدام حسين وهروب الكثيرين من قواده ورفاقه الحزبيين إلى سوريا، طالبين اللجوء والمساندة التي لم يبخل نظام البعث السوري بها على “المقاومة العراقية”، التي اتخذت رداءً اسلامياً لتأمين مزيد من الدعم العربي والطائفي، ولتوظيف سائر القوى الإسلامية، حتى المتطرّفة للغاية تحت شعار “الجهاد ضد الاحتلال الأمريكي”، حيث كانت عشرات الباصات تملىء من الشباب السوري في وضح النار من مختلف الأرياف السنية، تحت اشراف أجهزة المخابرات السورية وترسل مزودة بالسلاح وأجهزة الاتصال إلى داخل العراق… كما لقي البعثيون العراقيون ترحيباً منقطع النظير لهم في دمشق، في حين بقي البعثيون السوريون المعارضون لحكم الأسد محتارين قلقين على الحدود العراقيين – السورية لا يدرون كيف يدخلون سوريا وما سيكون عليه مصيرهم إن وقعوا في أيدي رفاقهم الحزبيين الحاكمين في دمشق…

إلا أنّ دخول اسرائيل على الخط، وبخاصة بعد ملاحظتها اصرار ايران على بناء شبكة صاروخية هجومية فعّالة، بل وبناء مفاعلات نووية قادة على تخصيب اليورانيوم بما فيه الكفاية لتزويد تلك الصواريخ بالرؤوس النووية، وتمادي نظام الملالي في دعم أنشطة “حزب الله” في جنوب لبنان، القلعة الأمامية لثورتها على شواطىء البحر الأبيض المتوسط، ومساعيه المتواصلة للسيطرة على جزء من اليمن الذي يقع بجوار باب المندب بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، واستخدامه لنظام دمشق التابع الأمين له كمحطة دعم لوجستية لحركة “حماس” الفلسطينية وسواها من الحركات العاملة على تحقيق هدف “ازالة اسرائيل من الخارطة”، فقد أعاد خلط الأوراق على طاولة اللعبة السياسية والتوازن الاستراتيجي في المنطقة…

أضطر البعثيون العراقيون، تحت ضغط النظام الديموقراطي المتعاظم في قوته الشعبية يوماً بعد يوم، رغم كل العراقيل والتحديات التي وضعها الايرانيون والسوريون والاسلاميون المتطرّفون في طريقه، إلى الاستفادة من لعبة توم وجيري الاسرائيلية – الايرانية، التي تأخذ أبعاداً خطيرة، ربما تعكر صفو كل المنطقة بحرب واسعة النطاق، تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل أيضاً… فبدأوا بتفعيل أقنيتهم السياسية مع حركة مجاهدي خلق الايرانية، وبخاصة بعد الهجوم غير المبرر للحكومة العراقية على معسكر “اشرف” الذي كان يعيش فيه المجاهدون المعارضون لنظام حكم بلادهم في أمان… وازدادت هذه العلاقة عمقاً ووضوحاً، اضافة إلى تمتين العلاقة مع المعارضين العرب الأهوازيين بهدف إظهار أنفسهم كقوّة معادية هامة في الصراع الكبير بين الغرب الرافض لسياسة طهران النووية بهذا الشكل المنذر بالخطر وبين ملالي ايران المتعنتين، الذين يريدون ابادة اسرائيل بكل صراحة ويعملون لمحاصرتها من الشمال والجنوب…وحتى من جهة البحر، حيث يحاولون ايصال الأسلحة وبراميل الديناميت إلى “حماس” عن طريقه، بعد أن هددت اسرائيل بحرب قاصمة على سوريا فيما إذا استمرات في تزويد حزب الله وحماس بالسلاح الايراني… وموضوع البراميل العائمة بالقرب من الشواطىء الاسرائيلية يصب مزيداً من الزيت على النار، سواء أكان ذلك برنامجاً مفبركاً لايجاد مبررات للهجوم الاسرائبلي المباغت على ايران، أو حقيقيًا… 

في هكذا وضع قابل للاشتعال بسرعة في منطقة الشرق الأوسط، يرى البعثيون أنفسهم مؤهلين للعب دور لهم إلى جانب العالم الغربي المكروه جداً من قبلهم، وبخاصة الأمريكان الذين لن يتخلوا عن حليفتهم اسرائيل كما يعلم البعثيون جيداً… والأمريكان بحاجة إلى مساندة بعثية من جهة الغرب لهم ولاسرائيل بالنسبة لايران، كما هم بحاجة إلى حزب العدالة والتنمية التركي من جهة الشمال، والطالبان من جهة الشرق، كما هم بحاجة إلى دول وشعوب الخليج العربي وأموالهم وبترولهم وممراتهم وأجوائهم وأسواقهم، لتمويل وتنفيذ حرب طويلة الأمد ضد ايران، إن وقعت، وبخاصة فإن الرئيس الأمريكي في وضع اقتصادي وسياسي لايحسد عليه الآن، وتمارس عليه الضغوط من كل صوب، ومن ناحية الاسرائليين بشكل خاص… وهو لايستطيع وقف المسار صوب الحرب،رغم رفضه لذلك بشدة…والبعثيون مجبرون على قبول المظلة الأمريكية في العراق لتأمين مشاركتهم في الانتخابات العراقية ومضطرون لدعم اسرائيل في لعبتها التومجيرية مع ايران، وإلا فإنهم سينتهون تاريخياً… الفرصة مؤاتية للبعثيين، ليس للمشاركة بضغوط أمريكية صريحة على الحكومة العراقية للسماح لهم بأخذ مكانة لهم تحت “المظلّة الأمريكية” في بناء العراق الديموقراطي، التعيس وغير المحظوظ حتى الآن، وانما في المنطقة بأسرها، كما توافرت لهم الفرصة ابان الحرب العراقية – الايرانية، رغم أنهم في موقع المعارضة الآن وليس في الحكم كما كان في عهد صدام حسين، مما يقلل من امكاناتهم في تأدية خدمات جليلة للأمريكان، ولكن الدور الأكبر الآن للبعث هو لمنافسهم على الزعامة العربية القومية، للأسد السوري الذي شرع يرد على تهديدات اسرائيل من جهة ويخاطب من جهة زعماءها مباشرة من خلف الميكروفات في دمشق ناصحاً اياهم بالسلام والحكمة ومؤكداً على الدور السوري الهام في “احلال الأمن والاستقرار”…أي أنه يستخدم “التهديد والوعيد” وكذلك يطرح عروض “السلام وتأمين الأمن والاستقرار” الصارخة، تلك التي فهمها بعضهم على شكل تورّط سوري – ايراني مشترك في تصفية زعماء “حماس” لأسباب طائفية وكمحاولة لارضاء اسرائيل واقناعها بأنهم قادرون على تحقيق أمنها واستقرارها في حال عدم لجوئها إلى القوة ضدهم…

وهكذا فإن البعث يضرب على صدره بقوّة ويطالب بدور له في معارك توم وجيري الشهيرة بين ايران واسرائيل، شبيه بدور صدامهم المشنوق من قبل، والبعث أشد تماسكاً وتضامناً رفاقياً الآن مما كان عليه في أيام حافظ الأسد وصدام حسين الذي مات الأوّل منهما نتيجة السرطان، وأعدم الآخر كمجرم ضد الإنسانية، دون أن يحقق أي منهما لبلاده أهداف حزب البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية، رغم ما سفكاه من دماء وجمعاه من أسلحة وأنفقاه من أموال شعبيهما على القوّة العسكرية والاستخبارات  ومحاربة الآخر المنافس سراً، وبناء تماثيلهما وتعليق صورهما كعظماء لا يقلون شجاعة وتضحية عن السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي … ورغم أن برنامج مؤسسي حزب البعث تمخض الآن عن فئران يتم انتزاعهم من جحور ضب، كما حدث لأشدهم غطرسة في أيم الحرب والجهاد، مثل صدام حسين وأزلامه الكبار


0 Responses to “مقالات : البعثيون ولعبة توم وجيري”



  1. اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


Blog Stats

  • 13,476 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.

انضم 3 متابعون آخرين

الأعلى تقييماً


%d مدونون معجبون بهذه: